د. الشفيع خضر سعيد
د. الشفيع خضر سعيد

 لم يكتب الشيخان سيرتهما الذاتية بقلميهما، وإنما هو التاريخ الذي صاغ السيرة وخطها، بغير حروف، في صفحات من وجدان الشعب. الأول، وهو الفاروق، تجاوز الثمانين عاما، والثاني، وهو الأمين، يقترب منها بخطى حثيثة.

والشيخان، الفاروق والأمين، إنخرطا معا في ذات المهنة التي تجسد همهما المشترك..، هم حماية العدالة والدفاع عن الحق..، الحق الخاص بالآخرين، والحق العام، حق الوطن والشعب والإنسانية. قد تختلف مع توجهات الفاروق، ولكنك مهما أجتهدت، إذا كنت من هواة التلاعب بالتاريخ، لن تستطيع أن تمحو من ذاكرة الشعب دوره البارز في إندلاع وإنتصار ثورة 21 أكتوبر 1964، ولن تستطيع أن تتناسى ليلة المتاريس. وقد لا تتفق مع رؤى الأمين، ولكنك لن تستطيع أن تقنع الناس بتجاهل أو شطب مساهمته المحورية في إندلاع وإنتصار إنتفاضة 6 أبريل 1985.

 في أكتوبر 1964، وحتى العشرين منه، كان الناس يحلمون ولا يدرون. ولكنهم في صباح يوم الحادي والعشرين تيقنوا من إنتصارهم. وفي أواخر مارس 1985، كانت سماء الخرطوم ملبدة بغيوم الشكوك المخلوطة بروائح النصر، ولكن في صباح 6 أبريل، وبينما كانت الفصيلة الوطنية النظامية المسلحة تتمركز في المواقع إنحيازا وحسما للمعركة الأخيرة، كانت جموع الشعب تزحف نحو سجن كوبر، حاملة كل شيئ إلا السلاح، ترفع “الترلة”، وكأنها لعبة طفل، لتدق وتحطم بها “باب الحديد” السميك، وهي تهدر متجاوزة هزيم الرعد: “شعب أكتوبر يكسّر كوبر”.. وحينها فقط تيقنوا من إنتصارهم.

 وفي الحدثين سالت دماء عزيزة مخلوطة بعرق الشرفاء من بسطاء بلادي، لتروي الثرى، وتنداح مدادا يكتب السيرة الذاتية لأبطال الوطن، ومن ضمنهما الشيخ الفاروق والشيخ الأمين. هل صدفة أن كلاهما شب وترعرع في ودمدني…في قلب الجزيرة “المقذوفة”؟؟

 لعل الشيخان، وهما في محبسهما، يسترجعان الآن ذكرى الثورة الفرنسية، ذلك المنبع الذي نهلا من مدلولاته وعِبره الثرّة لتتغذى منه مساهمتهما في إنتفاضتي أكتوبر وأبريل. ولعلهما، ونحن أيضا معهما، كلما يبرق طيف ذكرى الثورة الفرنسية أمام ناظري وعينا الداخلي، نتذكر كيف دخل الشعب الفرنسي طرفا إيجابيا في تقرير مصيره لأول مرة في تاريخه، وكيف، منذ ذلك التاريخ، إنتقلت العدوى الحميدة إلى كل ثورات العالم القديم والجديد، وصار الدرس هو درس الإنتصار لما مضى من ثورات ولما هو آت.  ((في 13 يوليو 1789، لم تكن باريس تحلم إلا بالدفاع عن نفسها. وفي 14 يوليو إنتقلت من الدفاع إلى الهجوم. في مساء 13 يوليو كانت سماء باريس لاتزال مكفهرة بحالة الإدراك واللاإدراك، أما في صباح 14 يوليو فأنقشعت كل الشكوك، وأصطبقت السماء والأنفس بألوان الحقيقة وشعاع المعرفة. في المساء كان هناك إضطراب وهياج غير محدد الإتجاه، أما في الصباح فكان يشع صفاء رهيب. كان في كل نفس ضياء وفي كل قلب صوت يقول واثقا: “قم..، هيا…، وسوف تستولى على الباستيل”.. كان بعضهم يكاد يكون عاريا والبعض الآخر في ثياب من كل لون… كان ذلك شيئا مستحيلا، شيئا جنونيا أن يقال… ومع ذلك آمن به كل الناس.. ولذلك تحقق.. وسقط الباستيل. لكن ما يجب أن يقال هو أن الباستيل لم يسقط، ولكنه إستسلم وسلّم لأن ضميره المفعم بالذنوب أقلقه إلى حد الجنون وجعله يفقد روحه المعنوية. واليوم، توجد مفاتيح سجن الباستيل، إلى جانب أدوات الطغاة الأخرى، في الدولاب الحديدي الذي يحفظ إرشيف فرنسا، وهو في مبنى الجمعية الوطنية الفرنسية.)) – بتصرف من كتاب “الثورة الفرنسية”، آخر كتاب للمفكر والأديب المصري الراحل د. لويس عوض، نشر بعد وفاته. وفي الكتاب أورد لويس عوض نصوصا ممتعة للمؤرخ الفرنسي ميشيلية، منها صرخته ” آه…، ليت هذا الدولاب الحديدي يحفظ مفاتيح كل باستيل في العالم”- ونحن نقول، ليتنا في السودان نمتلك دولابا حديديا في المتحف القومي، نحفظ  فيه مفاتيح كل سجون الإعتقال السياسي والإعتقال بسبب الرأي وحرية الضمير.

 فعلا يبدو أن قدرنا هو أن نقرأ تاريخ الوطن مع الديمقراطية عبر فتحات كوات الزنازين. وإذا كان الشيخان يقبعان اليوم في سجن أقره من يحكم اليوم كفعل طبيعي ضد كل من يخالفه الرأي وكل من يبدي إهتماما بقضايا الوطن، فهذا يعني أن حكام اليوم لا يريدون للوطن أن يبارح مكانه ذاك الذي كان فيه نهار اليوم الأول من العام 1956. وأنهم يصرون على أن نواصل الإختلاف والتجاذب العنيف حول من يحكم ومن يتحكم وكيف، بينما الوطن يتسرب من بين اليدين رويدا رويدا. أما الشيخان فقد تمنياه وطنا يسع الجميع، وسعوا إلى تحقيق هذه الأمنية الممكنة، منذ صباهما وحتى شيخوختهما. من حقك أن تجادلهما وتختلف معهما ولا تقبل أطروحاتهما، لكن عيب عليك أن تفتش ضميرهما وتسعى إلى تغيير محتواهما وأنت تعلم هيهات…!!

في ذات مرة، أبدع الكاتب الروسي أنطون تشيكوف، وصرخ كاتبا “حقا ما أسهل سحق الضعفاء”…. كانت الصرخة على لسان بطله الذي أراد تلقين مربية أبنائه درسا في كيفية الحفاظ على حقوقها والدفاع عنها، فدبر لها مقلبا إذ أعطاها أجرتها ناقصة ثلاثة أرباع الأجر المتفق عليه، معللا ذلك بجملة من الخصومات غير الحقيقية، ومستخدما سطوته في المغالطة ولي عنق الحقيقة. وعندما قبلت المربية بالمبلغ مقهورة منكسرة وهي تغالب دموع الذل والهوان، ودست المبلغ الضئيل في جيبها وهي تهمس متلعثمة “شكرا”، صرخ فيها الرجل:” لماذا تشكرين من نهبك وسرقك؟ لماذا لم تعترضي؟ لماذا كل هذا الصمت الرهيب؟ أيعقل أن يواصل الإنسان إلى ما لا نهاية الإستسلام إلى حالة الضعف واللامبالاة حد الإنكسار؟”. وأعطاها الرجل أجرتها الحقيقية، وأخذ يتأملها وسيل من جراحات الإنسان المعذب المظلوم تنداح في أوردته… وهمس في نفسه “حقا ما أسهل سحق الضعفاء”. هي همسة وصرخة أدرك الشعب السوداني، ومنذ أمد بعيد، مدلولاتها ومكنوناتها، فكانت ثورات الحرية في العصور القديمة وفي التاريخ المتوسط، وفي العصر الحديث.

أما الشيخ الفاروق والشيخ الأمين، فمكانهما ليس العتمة، ليس الحجر والحجز في الظلام، وإنما مكانهما وسط شعبهما. فهو الموقع الذي يستمد منه الشعب المداد ليسطّر سيرتهما الذاتية في وجدانه، وهو الموقع الذي ظلا ينطلقان منه ليساهما مع رصفائهما في وقف الحرب وبسط السلام وتسييد حقوق الإنسان وتحقيق التحول الديمقراطي المرتبط بتوفير لقمة العيش الكريمة، وليواصلا دورهما في الدفاع عن الحق العام وحق الآخرين الخاص. والشيخان، الأمين والفاروق، يظل لسان حال كل منهما يعزف، وفي نفس الوقت يهتف هادرا، وفي توافق تام وتناغم منسجم، فنسمع أهزوجة الصوت القوي الممتلئ طمأنينة وثقة: أنا لا أنحني.. إلا.. لأحضن موطني.

د. الشفيع خضر سعيد

كوات الزنازين وتاريخ الوطن مع الديمقراطيةhttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-300x142.jpghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2014/02/21-95x95.jpgالطريقآراء وتحليلاتالأزمة السياسية في السودان,حقوق لم يكتب الشيخان سيرتهما الذاتية بقلميهما، وإنما هو التاريخ الذي صاغ السيرة وخطها، بغير حروف، في صفحات من وجدان الشعب. الأول، وهو الفاروق، تجاوز الثمانين عاما، والثاني، وهو الأمين، يقترب منها بخطى حثيثة. والشيخان، الفاروق والأمين، إنخرطا معا في ذات المهنة التي تجسد همهما المشترك..، هم حماية العدالة والدفاع عن...صحيفة اخبارية سودانية