حينما رحل الفنان مصطفى سيد أحمد في مثل هذا اليوم من عام 1996، عن 46 عاماً،  تاركاً وراءه صيتاً وتأثيراً كبيرين على ساحة الغناء في السودان. كان الفنان محمود عبد العزيز، إبناً للثامنة والعشرين، يتلمس طريقه في عالم الغناء.

ولم تكد تنقضي بعض السنوات القليلة بعدها، حتى صار عبد العزيز، أحد أكثر المغنين جماهيرية ولمعاناً. إلى أن رحل هو الآخر بعد 17 عاماً، في التاريخ نفسه، السابع عشر من يناير سنة 2013، عن 46 عاماً أيضاً.

“ما تزال المدينة تعجُ وتطرب بصوت الراحل محمود عبد العزيز الملقب بـ(الحوت)، طوال السنوات الأربع التي أعقبت رحيله، وجدرانها تتزين بالملصقات التي تعلن عن حفلات يقيمها معجبوه في المسارح العامة.. وتجدهم في بادرة فريدة، يترنمون وحدهم بأغنياته على وقع إيقاعات الفرق المصاحبة”، يقول الناقد الفني، محمد الأقرع. ويضيف: “ولعل هذا الأمر يؤكد رهانات خلوده كمغنٍ. فحركة معجبيه “الحواتة” وكثافة نشاطهم واستمراريتهم في إطلاق المبادرات الخيرية باسمه ستحفز الذاكرة الجمعية أكثر في مسألة استلهام هذه التجربة الفنية الكبيرة وقدرته على التأثير والبقاء. والعامل المهم أيضاً في عملية خلود هذا المغني، هو جودة الأعمال التي قدمها وما تحتويه من تمرد وقيم”.

ويرى الأقرع أن ثمة نقاط تهدد وتشوش على التجربة، مثل محاولة احتكار أغنياته وعدم السماح للفنانين الشباب بترديدها، معتبراً أن التجربة أثبتت أن الترديد يساهم في عملية الإعلان والبقاء. .

بينما يعتقد الأقرع، في حديثه لـ(الطريق)، بخصوص تجربة مصطفى سيد أحمد الغنائية، أنها تجاوزت تحدي النسيان تماماً، فبعد مرور واحد وعشرين عاماً ما تزال أغانيه تتمتع بنفس الزخم والاحتفاء من المستعمين، الذين تنتمي نسبة كبيرة منهم لأجيال أتت بعد رحيله، ورأى أن مصطفى كان يعي هذه النقطة، فكثيراً ما كان يقول، إنه يتغنى لأزمنة قادمة، لآخرين لم يأتوا بعد .

يقول الأقرع: “مستقبل أغاني مصطفى مربوط ومستمد من جودتها، والقضايا التي ناقشتها، وهي بعد تفكيكها، نجد أنها لا تنفصل عن حياة الإنسان في أي زمان ومكان  (الحرية، الوطن، الحب …الخ).. مصطفى خرج بالأغنية من الإطار التقليدي إلى إطار أرحب، يتغنى فيه الفنان بأغنية فيتلقفها كل على هواه”.

قال عنه الشاعر محمد طه القدال، والحديث للأقرع، “كان بإمكان مصطفى سيد أحمد الركون للمفردة المعتادة في الحب والهجر والدموع والوطن التي سادت منذ عشرينات القرن الماضي، ولكن كانت له رؤية شاعرية مختلفة تدعو إلى تخيير حب جديد، تتداخل فيه الحبيبة مع الوطن، فلا تدري أهذه العاطفة مصوبة نحو إحداهن أم تجاههن جميعاً”.

مضيفاً، أن رؤيته، أي مصطفى، قادته إلى طرق باب جديد لتوصيل ما يريد، وتتلخص فكرته في مجملها في تغيير المفاهيم السائدة المتكررة، إلى مفاهيم متجددة على مستوى خلخلة الذات دون إرباكها، وذلك بتثبيت مبادئها وقيمها وإرثها.

ويعقد الأقرع مقارنة بين مصطفى وعبد العزيز، قائلاً: “نعم.. محمود عبد العزيز ومصطفى سيد أحمد مختلفان في نوعية القضايا المتداولة في أغانيهما وطرائق إيصالها، فلكل منهما مدرسة فنية واضحة المعالم والتضاريس، لكن رغم ذلك، إلا أنهما يلتقيان في عدة نقاط.. مثلاً فقد كان دخولها الوسط الغنائي متشابهاً، لقد جاءا من أبواب لها علاقة بالعملية الإبداعية. فمصطفى في صباه كان يجيد الرسم والتشكيل، أما عبد العزيز فدخل عالم الغناء من بوابة المسرح التمثيلي”.

أيضاً ما جمع بينهما، أنهما حوربا من قبل سدنة وجاهلين، ليس إلا لأنهما كانا مختلفان، رغم ذلك، فقد انتزعا مكانتيهما في عالم الغناء، متألقين للأبد. يضيف الأقرع.

فيما يقول الكاتب الصحفي والمؤلف، محمد فرح وهبي، لـ(الطريق) إن غناء محمود عبد العزيز سيستمر أكثر ويتواصل. لأنه يشبه حزن الناس وحقيقة حلمهم بالحب وبالصخب والسلام. لقد عززت وفاته المبكرة روح المقارنة التي يقيمها جموع محبيه بينه وكل صوت جديد، هذا بجانب المقاومة الخفية من قبلهم لكل جديد أيضاً.

ويضيف وهبي وهو، مؤلف كتاب سارق الضوء سيرة تحليلية وتوثيقية عن عبد العزيز، وسكرتير إعلامي سابق له، إن التفاعل مع غنائه بعد مرور أربع سنوات على رحيله، أصبح حالة تأملية جمالية. وذلك لأسباب كثيرة؛ “لقد نضج معظم من عايشوا التجربة، عمرا وتجارب حياة. بالإضافة إلى تغير الأوضاع نفسها أو أحوال الحياة، كأن غناءه أسطوري فعلاً. لم يحدث في أي وقت أن وجدت عاطفة حارة وفطرية بهذا الشكل”. يصبح صوت المغني نافذة كبيرة يبصر عبره من جايلوه ومن سمعوا به لحظات وسنوات مجنونة، سنوات حارة وغناءً حاراً.

وغنى مصطفى سيد أحمد ومحمود عبد العزيز كل على حدة، مئات الأغنيات الخاصة والمسموعة، بتنوعيات موسيقية مختلفة، بيد أن من أشهر ما تغنى به مصطفى من أغنيات هي: الحزن النبيل، غدار دموعك، مريم الأخرى، في حين من أشهر أعمال عبد العزيز، الفات زمان، يا عمر، لهيب الشوق.

وبينما درج محبو مصطفى سيد أحمد منذ 21 عاماً، على إحياء ذكراه، عبر جمعية أصدقاء مصطفى سيد أحمد، وإقامة حفلات لترديد أغانياته، في صالات وأماكن خاصة، فإن محبي محمود، وباستثناء ذكرى رحيله الأولى، والتي أقيمت بأحد أندية العاصمة السودانية الخرطوم، فقد اختاروا ملاعب كرة القدم مالئيها بصوره متشاركين أحزانهم، فيما تسيل مشاعرهم بالافتقاد لصاحبهم مرددين: يا زول يا طيب ماشي وين؟.

تقارير الطريق

https://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/01/مصطفي-ومحمود-300x205.pnghttps://www.altareeq.info/wp-content/uploads/2017/01/مصطفي-ومحمود-95x95.pngالطريقMain Sliderثقافة وفنونثقافةحينما رحل الفنان مصطفى سيد أحمد في مثل هذا اليوم من عام 1996، عن 46 عاماً،  تاركاً وراءه صيتاً وتأثيراً كبيرين على ساحة الغناء في السودان. كان الفنان محمود عبد العزيز، إبناً للثامنة والعشرين، يتلمس طريقه في عالم الغناء. ولم تكد تنقضي بعض السنوات القليلة بعدها، حتى صار عبد العزيز،...صحيفة اخبارية سودانية